ابن بسام
94
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
حدّه ، قد أخذوا بخفض الأصوات مع سرعة الحركات وحثّ الأقدام ، فصار من بديع ذلك الصّنيع الفخم أن لم يعل فيه صوت ، ولا تشكّي منه فوت [ 1 ] ، فطال العجب من استوائه في مثل ذلك المشهد . قال ابن حيّان : ولما بكرت أفواج علية الناس إلى باب القصر مستبقين ، وغشيته زمرهم وزرافاتهم مبتدرين ، أنزلوا عن دوابهم عند باب المنصب الأول ، فأذن لهم بالدخول على مراتبهم ، فمشوا وقد حفّهم سراة الصّقلب الخصيان ، وخواصّ الحشم والغلمان ، فأجلسوا في الدار الأولى ذات الحائر الريّان . فلما اكتملوا أدخلوا إلى المجلس الكبير . فلما استقرّ فيهم جمعهم خرجت تسمية من الأمير المأمون بإدخال القضاة / والفقهاء والعدول ومن يليهم من كبار الناس ، دعاهم لذلك ذو الوزارتين أبو [ عامر بن ] الفرج [ 2 ] ، فقاموا والسكينة عليهم ، يقدمهم قاضي القضاة أبو زيد ابن عيسى القرطبي [ 3 ] ، فأدخلوا بتكريم على تؤدة ورفق ، وجيء بهم إلى الدار الكبرى الثانية ذات الساحة الواسعة الزاهرة ، ثم وصلوا إلى مجلس قد فرش بالدّيباج التّستري المرقوم بالذهب ، وسدلت فوق حناياه ستور من جنسه تكاد تلتمع الأبصار بنصاعة ألوانها وإشراق عقيانها . وقد جلس لهم الأمير المأمون في جانب منه ، وحفيده في جانب آخر ، فأكبّ الناس عليه يهنئونه ، ويلثمون أطرافه ، ويتناغون فيما روّوا وابتدهوا ، وهو يشملهم بإقبال طرفه ، ويعمّهم بإجمال ردّه ، فينثنون منه إلى حفيده [ 65 ] يدعون له . ثم عدل بهم إلى مكان الأطعمة في المجلس الأول - على ذات اليسار من تلك الدار - الواسع القطر الرّحب الأبواب ، وقد فرش بالوطاء التستريّ ، وعلّقت على أبوابه وحناياه ستور الطميم [ 4 ] المثقّلة ذات الصّور المقيّدة للألحاظ ، وقد مدّت فيه صنوف الطعام . فأمعنت هذه الطائفة في الأكل ازدقاما وسرطا ، واختضاما وقضما ، وانتهالا وعلا . / ووصفاء الموائد الحافّون من
--> [ 1 ] ص : قوت ( ولها وجه إذا أغفلنا السجع الدقيق ) . [ 2 ] ص : أبي الفرج ؛ وقد كان أبو عامر بن الفرج وزيرا للمأمون بن ذي النون ثم لابنه القادر ( المغرب 2 : 303 ) وترجم له ابن بسام في الذخيرة 3 : 103 ؛ وذكر في المطمح : 15 - 16 باسم « أبو الفرج » ، وانتقل هذا الخطأ إلى نفح الطيب 3 : 542 - 543 واستمر الخطأ في الفهرسة كذلك . [ 3 ] هو عبد الرحمن بن محمد بن عيسى أبو زيد بن الحشا القرطبي الأصل ، استقضاء المأمون بن يحيى بن ذي النون بطليطلة بعد أبي الوليد بن صاعد في الخمسين والأربعمائة ، وحمده أهل طليطلة في أحكامه وحسن سيرته ، ثم صرف عنها في سنة ستين وصار إلى طرطوشة واستقضي بها ثم صرف واستقضي بدانية وتوفي فيها سنة 473 ( الصلة : 325 ) . [ 4 ] الطميم : الثقيل ( Mssif ) في معجم دوزي ، ولعل المراد هنا أن يكون نوعا من القماش الثقيل .